محمد بن جرير الطبري
584
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
حدود الله ، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها ، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها ، فداويتها حتى برئت ، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة ، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين ، فأخبر من شأنها بالذي كان ؟ فقال عمر : أتخبر بشأنها ؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه ! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار ، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة . ( 1 ) 11265 - حدثنا أحمد بن منيع قال ، حدثنا مروان ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : جاء رجل إلى عمر ، فذكر نحوه . 11266 - حدثنا مجاهد قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن أبي الزبير : أن رجلا خطب من رجل أخته ، فأخبره أنها قد أحدثتْ . فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فضرب الرجل وقال : ما لك والخبر ! أنكح واسكُت . ( 2 ) 11267 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سليمان بن حرب قال ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، عن الحسن قال : قال عمر بن الخطاب : لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة ! فقال له أبيّ بن كعب : يا أمير المؤمنين ، الشرك أعظم من ذلك ، وقد يقبل منه إذا تاب ! * * * وقال آخرون : إنما عنى الله بقوله : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " ، العفائفَ من الفريقين ، إماءً كنَّ أو حرائر . فأجاز قائلوا هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية ،
--> ( 1 ) " الأوداج " جمع " ودج " ( بفتحتين ) : وهو عرق متصل من الرأس إلى النحر ، والأوداج : عروق تكتنف الحلقوم . ( 2 ) هذه الأخبار السالفة ، أدب من آداب هذا الدين عظيم ، وهدي من هدي أهل الإيمان ، أمروا به ، ومضوا عليه . حتى خلفت من بعدهم الخلوف ، فجهلوا أمر دينهم ، وغالوا غلوا فاحشًا في استبشاع زلة من زل من أهل الإيمان ، فقتل الرجل منهم بنته وأخته ومن له عليها الولاية . وما فعلوا ذلك ، إلا بعد أن فارقوا جادة الإيمان في سائر ما أمرهم الله به ، فاستمسكوا بالغلو الفاحش ، وظنوا ذلك من تمام ديانتهم ومروءتهم . وهذا دليل على أن كل تفريط في الدين ، يقابله في الجانب الآخر غلو في التدين بغير دين ! ورحم الله عمر بن الخطاب ، ما كان أبصره بالناس وأرحمه بهم .